الدكتورة دنيا تامري تطرح نموذجًا متقدمًا لـ"الضمير الإعلامي الذكي" وتدعو إلى منظومة دولية لمواجهة اقتصاد التضليل |
مـن أرشيف القمة العالمية للإعلام2025
في واحدة من أكثر جلسات القمة العالمية للإعلام الذكي وتمكين الشباب عمقًا وإثارة للنقاش، قدّمت الدكتورة دنيا تامري، رئيسة اللجنة العلمية والبحوث، ورقة علمية رائدة بعنوان:
«الإعلام الرقمي الذكي بين الحقيقة والزيف: نحو حوكمة أخلاقية وتقنية مسؤولة»،
وسط حضور لافت ضم خبراء في الذكاء الاصطناعي، وصنّاع محتوى رقمي، وأكاديميين من مختلف أنحاء العالم.
إعادة صياغة السؤال الإعلامي
طرحت الورقة مقاربة تحليلية جديدة أعادت من خلالها هندسة السؤال المحوري في الإعلام المعاصر، متسائلةً عن سبل حماية الحقيقة داخل فضاء رقمي تتحكم في تدفقه خوارزميات معقدة وآليات غير مرئية.
وأكدت تامري أن التحول نحو “الإعلام الذكي” لم يعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولًا معرفيًا عميقًا أعاد تعريف مصادر المعلومات، وأنماط التلقي، وقدرة الجمهور على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع.
نقد المرجعيات الدولية
وقدّمت الباحثة تفكيكًا نقديًا للإطار القانوني العالمي المنظم للإعلام الرقمي، مستعرضةً أبرز المرجعيات الدولية، ومشيرةً إلى أن التحدي لا يكمن في نقص القوانين، بل في محدودية فعاليتها.
وأرجعت ذلك إلى غياب آليات تنفيذ حازمة، والتسارع التقني الذي يفوق قدرة التشريعات على المواكبة، إضافة إلى الطبيعة العابرة للحدود للمحتوى المضلل.
واستشهدت بجائحة كورونا كنموذج بارز على خطورة التضليل الرقمي، حيث أسهم انتشار المعلومات الزائفة في تداعيات إنسانية مباشرة، ما يعكس الحاجة إلى تدخلات مؤسسية تتجاوز الإطار التشريعي التقليدي.
اقتصاد الزيف.. منظومة متكاملة
وسلطت الورقة الضوء على ما وصفته بـ”اقتصاد الزيف”، باعتباره صناعة رقمية قائمة بذاتها، تشمل تقنيات التزييف العميق، وإعادة تدوير المحتوى خارج سياقه، والتلاعب بالسرد الزمني، إلى جانب إنتاج “حقائق بديلة” عبر خوارزميات الانتشار.
وأكدت أن التضليل لم يعد عشوائيًا، بل بات مدفوعًا بنماذج اقتصادية وشبكات مصالح معقدة، قادرة على منافسة الحقيقة من حيث سرعة الانتشار وجاذبية العرض.
حدود التقنية في صناعة الحقيقة
كما تناولت الورقة أدوات التحقق الرقمي الحديثة، مشيرةً إلى أهميتها في دعم جهود مكافحة التضليل، لكنها شددت على أن هذه الأدوات تظل محدودة ما لم تُسند بمنظومة قيم مهنية وأخلاقية.
اقـرأ أيضاً مؤتمر المشرق للإعلام 2026 في إسطنبول… منصة عالمية ترسم مستقبل الإعلام والذكاء الاصطناعي
وأوضحت أن الحقيقة لا تُنتج تقنيًا بحتًا، بل تتشكل من خلال وعي المستخدم وقدرته النقدية في التعامل مع المحتوى.
نحو حوكمة إعلامية مركّبة
وقدّمت تامري رؤية عملية لبناء منظومة متكاملة لحماية الفضاء المعلوماتي، تضمنت إدماج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية، وإنشاء مختبرات تحقق متخصصة، وتطوير خوارزميات شفافة، إلى جانب سن تشريعات رادعة للتضليل، وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال.
“الضمير الإعلامي الذكي”
وفي إضافة لافتة، طرحت الباحثة مفهوم “الضمير الإعلامي الذكي”، بوصفه إطارًا يجمع بين المعرفة الرقمية والقيم الأخلاقية، بما يمكّن الصحفي والمتلقي من ممارسة دور نقدي فاعل بعيدًا عن هيمنة الخوارزميات.
وربطت هذا المفهوم بالإرث الأخلاقي الإنساني، مؤكدةً أن حماية الحقيقة تبدأ من الإنسان قبل التقنية.
تقول تامري: "لا تقوم الحقيقة على الخوارزمية وحدها، بل على الوعي الذي يستخدمها"
