سلّط المستشار العام للمركز الليبي لأبحاث وتنمية المناطق الريفية – فرع المنطقة الشرقية، الدكتور خالد الكاديكي، الضوء على واقع الملوثات البيئية وإدارة النفايات الخطرة في ليبيا، وذلك خلال مشاركته بورقة علمية بعنوان “الملوثات البيئية وإدارة النفايات الخطرة في ليبيا: الواقع والتحديات والحلول”، قُدمت في مؤتمر علمي متخصص عُقد يوم 12 يوليو/تموز 2026، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والخبراء في مجالات البيئة والتنمية المستدامة.
إقــرأ أيضــاً تركيا تناقش مستقبل السودان وسط تحولات الحرب والتوازنات الإقليمية
وتناولت الورقة البحثية واقع التلوث البيئي في ليبيا، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها البلاد نتيجة التوسع الحضري، والأنشطة النفطية والصناعية، وتزايد إنتاج النفايات الطبية والخطرة، إضافة إلى محدودية البنية التحتية الخاصة بإدارة المخلفات، وما يترتب على ذلك من آثار بيئية وصحية واقتصادية.
وأكد الدكتور خالد الكاديكي أن قضية إدارة النفايات الخطرة لم تعد تقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل أصبحت إحدى القضايا المرتبطة بالصحة العامة والأمن البيئي والتنمية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب رؤية وطنية متكاملة تقوم على التخطيط العلمي والتشريعات الفاعلة والتنسيق بين مختلف المؤسسات.
وأوضح أن ليبيا تشهد خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في الضغوط البيئية، نتيجة النمو السكاني والتوسع الصناعي، ولا سيما في قطاع النفط، الأمر الذي انعكس في ارتفاع معدلات تلوث الهواء والمياه والتربة، إلى جانب تزايد كميات النفايات الخطرة التي تشكل تهديدًا مباشرًا للموارد الطبيعية وصحة الإنسان.
واستعرضت الورقة أبرز مصادر التلوث البيئي في ليبيا، والتي تشمل التلوث الناتج عن الصناعات النفطية، والنفايات الطبية الصادرة عن المستشفيات والمراكز الصحية، والمخلفات الصناعية والكيميائية، والنفايات الإلكترونية، إضافة إلى تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، والحرق العشوائي للنفايات، والاستخدام المكثف للمبيدات والأسمدة الزراعية.
كما تناولت الدراسة أنواع النفايات الخطرة المنتشرة في ليبيا، ومن أبرزها النفايات الطبية المعدية، والمواد الكيميائية التالفة، والزيوت والمخلفات النفطية، والبطاريات والمواد المحتوية على المعادن الثقيلة، فضلًا عن بعض النفايات المشعة الناتجة عن الاستخدامات الطبية والبحثية.
وأشار الدكتور الكاديكي إلى أن استمرار سوء إدارة هذه النفايات ينعكس بصورة مباشرة على البيئة والصحة العامة، موضحًا أن الآثار السلبية تشمل تلوث المياه الجوفية والسطحية، وتدهور خصوبة التربة، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية والسرطانية، إضافة إلى تراجع التنوع الحيوي، وتكبّد قطاعات الزراعة والثروة السمكية والسياحة خسائر اقتصادية متزايدة.
وفي معرض حديثه عن أبرز التحديات، أوضح الباحث أن ضعف التشريعات البيئية أو محدودية تطبيقها يمثل أحد أهم العوائق أمام تطوير منظومة فعالة لإدارة النفايات الخطرة، إلى جانب نقص منشآت المعالجة والتخلص الآمن من المخلفات، وضعف الوعي البيئي لدى مختلف شرائح المجتمع، وغياب التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية، فضلًا عن محدودية قواعد البيانات وأنظمة الرصد البيئي.
وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب الانتقال من المعالجات التقليدية إلى سياسات بيئية أكثر استدامة، تقوم على التخطيط طويل المدى والاستفادة من التجارب الدولية، مع تعزيز الاستثمار في البنية التحتية البيئية والتقنيات الحديثة.
وطرحت الورقة مجموعة من الحلول العملية التي من شأنها الإسهام في تطوير منظومة إدارة النفايات الخطرة في ليبيا، من بينها إعداد استراتيجية وطنية شاملة لإدارة النفايات، وإنشاء مراكز حديثة لمعالجة المخلفات والتخلص الآمن منها، وتطبيق نظام وطني لفرز النفايات من المصدر، إلى جانب تعزيز الرقابة البيئية على المنشآت الصناعية والنفطية، وتشجيع إعادة التدوير والاقتصاد الدائري.
كما دعت الدراسة إلى الاستثمار في تدريب الكوادر الوطنية وتطوير المختبرات البيئية، وتعزيز الالتزام بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بالنفايات الخطرة والمواد الكيميائية، بما ينسجم مع المعايير البيئية العالمية ويسهم في حماية الموارد الطبيعية.
وخلصت الدراسة إلى أن تحسين إدارة النفايات الخطرة في ليبيا يتطلب إصلاحات مؤسسية وتشريعية متكاملة، مدعومة باستثمارات في البنية التحتية، وتعاونًا وثيقًا بين الحكومة والجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاع الخاص، باعتبار أن الإدارة الرشيدة للملوثات البيئية تمثل أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي ختام مشاركته، قدم الدكتور خالد الكادي خمس توصيات رئيسية، تضمنت إنشاء هيئة وطنية متخصصة لإدارة النفايات الخطرة، وتحديث القوانين البيئية، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لرصد الملوثات، وتعزيز الشراكات الدولية لنقل التكنولوجيا الحديثة، وإدماج التربية البيئية في المناهج التعليمية، إلى جانب دعم البحث العلمي في مجالات البيئة والاستدامة.
وتأتي هذه المشاركة في إطار الجهود العلمية الرامية إلى تعزيز الحوار حول القضايا البيئية في ليبيا، وتقديم حلول قائمة على البحث العلمي تسهم في دعم صناع القرار، وتعزيز السياسات البيئية، وبناء منظومة أكثر كفاءة في إدارة النفايات الخطرة، بما يحقق حماية البيئة وصون الموارد الطبيعية للأجيال القادمة





