مقالات رأي | برفيسور. د. طارق الأوجلي يكتب… الاتصال التقليدي غالباً ما ينشغل بإنتاج الرسالة ونشرها، أما الاتصال الاستراتيجي فينطلق من الهدف أولاً ثم يبني الرسالة
يشهد الفضاء الإعلامي الراهن فيضاً من التدفق الهائل للبيانات والمعلومات اتاحه الاجتياح الهائل للتقنيات سريعة التطور بلا هوادة وبخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، لتتراجع على إثره كواقعٍ منطقي، مدارس التأثير الإعلامية التقليدية مفسحة المجال أمام وسائل واساليب جديدة بالغة الفاعلية والقدرة على التشكيل والتطويع والتغيير.
إذ لم يعد التأثير الإعلامي حليفاً للأكثرحضوراً أوضجيجاً، بل لم يعد من يسعى لإحداث التأثير حتى إلى الظهور بوجهه الحقيقي كي يفرض حضوره في وعي جمهورك. هو فقط بحاجة لأن تتأخر في الرد .. أن تترك تساؤل بلا إجابة، وحدث دون تأويل شأن لا يملك رواية قادرة على احتوائه، ليتسلل في هدوء ناعم إلى الفضاء الذي تركته فارغاً.
ولست أعني هنا بفراغ المساحة غياب الإعلام كماً وزخماً، فقد تكمن العلة في كثافة حضوره، إنما المقصود هنا هو غياب هندسة الاتصال نفسه، فحين يغيب الاتصال الاستراتيجي، يصبح المجال مُشرعاً أمام من يملك استراتيجية أكثر إحكاماً، حتى وإن كان حضوره الإعلامي أقل حجماً.
وهنا تلعب السلوباغاندا دورها كنموذج حديث شديد الدهاء من زاوية استغلال هذه الفجوة. فهي لا تحتاج بالضرورة إلى رسالة مقنعة أو قوية ، بل تركز بشكل رئيسي على الطريقة التي تُصمم بها الرسالة، وتوقيت نشرها والبيئة التي تنشر فيها، والجمهور الذي تستهدفه، والمشاعر التي تريد إثارتها، والفعل الذي تبتغي أن يقوم به الجمهور كنتيجة نهائية. فالسلوباغاندا لا تسأل فقط: ماذا نقول؟ بل تنطلق من سؤال أكثر أهمية: ماذا نريد أن يحدث بعد أن يسمع الجمهور ما نقول؟.
وهذا فارق جوهري .. فالاتصال التقليدي غالباً ما ينشغل بإنتاج الرسالة ونشرها، أما الاتصال الاستراتيجي فينطلق من الهدف أولاً ثم يبني الرسالة ويحدد الأداة والاتجاه ويختار التوقيت لأجل بلوغه. وفي المساحة الفارغة بين النموذجين تتسلل السلوباغاندا، فهي لا تدخل في منافسة عشوائية مع آلاف الرسائل، بل تأتي وهي تعرف إلى أي فئة في المجتمع تتجه، وما المدخل النفسي الذي ستستخدمه، وما السياق الذي ستستغله، وما اللحظة التي يكون فيها الجمهور أكثر استعداداً للتفاعل معها.
وفق نموذج السلوباغاندا، فإن رسالة واحدة في اللحظة المناسبة قد تفعل ما لا تستطيع مئات الرسائل المتناثرة أن تفعله، بل أن محتوى يبدو عفوياً، قد يمثل في الواقع جزءاً من مسار اتصالي طويل صمم ليؤدي وظيفة محددة داخل شبكة أوسع من التأثير، كما أن منشور يبدو منفصلاً عن غيره قد يكون مصمماً ليغذي فكرة ستظهر لاحقاً في سياق مختلف وعلى منصة مختلفة.
هنا يصبح من الخطأ النظر إلى السلوباغاندا باعتبارها مجرد محتوى مضلل، فالمحتوى ليس سوى الجزء الظاهر من العملية، ما يستحق الانتباه إليه هو الهندسة التي تقف خلفهن فالسلوباغاندا لا تحتاج بالضرورة إلى إقناع الجمهور برواية مكتملة، أحياناً يكون هدفها أكثر خبثاً، كتغيير زاوية النظر، أو بذر الشك، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو دفع الجمهور إلى الانشغال بقضية على حساب أخرى، أو خلق حالة من الالتباس تجعل الوصول إلى موقف واضح أكثر صعوبة.
وقد لا يكون النجاح في أن يصدق الجمهور الرسالة، بل في أن يتصرف نتيجة لها بطريقة تخدم الهدف الذي صُممت من أجله، وهنا تكمن إحدى أخطر التحولات في بيئة الاتصال الحديثة، إذ لم تعد المعركة الأساسية فيها قائمة على المعلومة فقط، بل على الانتباه، والإدراك، والتفسير، والاستجابة، فمن ينجح في جذب انتباهك يستطيع أن يؤثر في ما تفكر فيه ومن يؤثر في طريقة تفسيرك لما يحدث بإمكانه التأثير في موقفك منه، والقادرعلى تحويل الموقف إلى سلوك، يكون قد انتقل إلى مرحلة التأثير الفعلي.
ومن هنا يمكن فهم السلوباغاندا بأن مكمن قوتها لا يأتي فقط من قدرتها على إنتاج محتوى مقنع أو مثير، بل من قدرتها على التعامل مع الاتصال كعملية هندسية تبدأ بالغاية وتنتهي بالأثر. إنها تعرف أن الرسالة وحدها لا تصنع النتيجة، وأن التوقيت والسياق والجمهور والمنصة والتكرار والانفعال كلها أجزاء من معادلة واحدة.
ولهذا فإن مواجهتها لا تكون بإنتاج نسخة مضادة من الضجيج، ولا بتحويل الإعلام إلى ساحة ردود أفعال لا تنتهي.
فالمواجهة تبدأ بملاء الفراغ الاستراتيجي، أن تعرف المؤسسة لماذا تتحدث قبل أن تسأل ماذا ستقول، أن تعرف من تريد التأثير فيه قبل أن تبدأ بالنشر، أن تبني الرسالة وفق الهدف، لا وفق الحدث وحده، أن تقيس الأثر، لا حجم الوصول فقط، وأن تدرك أن كل اتصال بلا استراتيجية يترك مساحة لاتصال آخر أكثر تنظيماً.ةوفي عالم لا يترك الفراغات شاغرة، سيأتي دائماً من يعرف كيف يملؤها، ليس بالمزيد من الكلام، بل بالاتصال المصمم لتحقيق غاية.





