مقالات رأي | طـارق الأوجلي .. رئيس جامعة الإعلام الجديد (ليبيا) – أستاذ الإعلام الجديد وباحث في التأثير والاتصال الاستراتيجي
في الرابع عشر من أكتوبر القادم، تتحول قاعة الجمعية الملكية في دبلن (RDS) من مجرد فضاء جغرافي عابر إلى مركز ثقل استراتيجي يشهد صياغة الملامح الجديدة للمنافسة الدولية. فالقمة الدولية للذكاء الاصطناعي 2026، التي تنطلق كمبادرة رسمية رفيعة المستوى من وزارة المؤسسات والتجارة والتوظيف الأيرلندية تحت مظلة الرئاسة الأيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع المفوضية الأوروبية، لا تصنف نفسها كحدث تجاري أو كرنفال تقني، بل كمحطة حوارية مغلقة – مقتصرة على الدعوات الرسمية – تفتتح بها القارة “شهر الابتكار الأوروبي” الممتد حتى بروكسل في نوفمبر القادم.
وتحت الشعار المعلن والصريح للحدث: “تسخير الذكاء الاصطناعي لإحداث ثورة في التنافسية الأوروبية”، يتحدد الإطار الفعلي للقمة؛ فهي لا تطرح نفسها برلماناً تشريعياً عالمياً يوزع الأدوار على الأمم، إذ يظل التشريع اختصاصاً أصيلاً للمؤسسات الأوروبية الثلاث عبر أدواتها التنفيذية الصارمة مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act). ومع ذلك، فإن التدقيق في المحاور الثلاثة للملتقى يكشف عن خطة استراتيجية تتجاوز البعد التنظيمي المحلي؛ بدءاً من توليد القيمة في قطاعات الرعاية الصحية والخدمات المالية، مروراً بتأمين استقلالية البنية التحتية من قوة حوسبية وأشباه موصلات وطاقة مستدامة، وصولاً إلى استشراف “الذكاء الوكيل” (Agentic AI) وتحولات القوة العاملة. وهي أولويات تترجم رغبة أوروبية واضحة في الفكاك من قيود التبعية الاحتكارية لوادي السيليكون، ومواجهة التمدد التقني الصيني الزاحف.
ويزيد من ثقل هذه المقاربة مستوى النخبة السياسية والتكنوقراطية وقادة الصناعة الرقمية العالمية المتحدثين فيها؛ حيث تشهد المنصة مناقشات تجمع بين السيد ميشيل مارتن نائب رئيس الوزراء الأيرلندي ووزير الخارجية والدفاع، والسيد بيتر بيرك وزير المؤسسات والتجارة والتوظيف الأيرلندي، مما يعكس الأهمية السياسية القصوى التي توليها الدولة المضيفة للملف. هذا الحضور الحكومي الرفيع يتكامل مع رؤية تكنولوجية استراتيجية يمثلها قادة كبار من وادي السيليكون وصناع الطفرة التقنية الحالية؛ وفي مقدمتهم السير ديميس هاسابيس المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Google DeepMind، والسيدة سارة فريار المدير المالي لشركة OpenAI، إلى جانب قيادات تكنوقراطية من شركات كوالكوم وإنتل وسيسكو وإريكسون وIBM. هذا التشكيل يمنح القمة شرعية سياسية وتقنية عالية، لكنه يبقيها في حدود إطارها ومصالحها الأوروبية.
ومع ذلك، فإن هذا الانكفاء الأوروبي الداخلي لا يعزل مفاعيل القمة عن واقعنا الجيواقتصادي؛ فالمعايير والأنظمة التي تُصاغ في الفضاء الأوروبي عابرة للحدود بطبيعتها، وتنتقل إلى المنظومة الرقمية العربية عبر مسارات قطاعية غير مباشرة، يمكن رصدها في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: ديناميكيات السوق و”تأثير بروكسل” (The Brussels Effect)
إن الاتحاد الأوروبي، عبر أدواته التنظيمية يفرض شروطاً حمائية قاسية على الشركات العالمية العاملة في سوقه، فتضطر هذه الشركات تلقائياً إلى توحيد معاييرها عالمياً تجنباً لازدواجية الأنظمة أو العقوبات الاقتصادية. والمستخدم العربي، من القاهرة إلى الرباط إلى الرياض، يجد نفسه أمام منصات تتبع معايير أوروبية في فرز المحتوى وحظر التزييف العميق (Deepfakes)، لا لأنه كان شريكاً في صيغتها، بل لأنها فُرضت بآليات اقتصادية عابرة للحدود.
ثانياً: إعادة هندسة الطلب وسوق العمل العابر للحدود
إن التركيز على “الذكاء الوكيل” وتحول القوى العاملة يمس مباشرة فئة الشباب في شمال إفريقيا، والذين اتخذوا من العمل الرقمي عن بُعد كبوابة نجاة اقتصادية في مواجهة التضخم المحلي. تبني المؤسسات الأوروبية لهذه الأنظمة المؤتمتة لرفع إنتاجيتها الداخلية سيعيد تشكيل الطلب على العمالة الخارجية؛ لن تلغى العمالة عن بُعد، لكنها ستخضع لـ “مصفاة مهارية حادة” تتطلب كفاءات أعلى في إدارة هذه الأنظمة الذكية وتوجيهها. النتيجة العملية أن مؤسسات التعليم العالي في عالمنا العربي لم تعد تملك ترف التأجيل، بل هي أمام حتمية عملية لتغيير مناهجها لمواكبة تسارع التحولات الهيكلية العالمية.
ثالثاً: التموضع الخليجي وبناء القدرة السيادية
على الجانب الآخر، تبدو العواصم الخليجية التي تقود طفرة استثمارية هائلة لبناء نماذجها السيادية (مثل فالكون وعلام) في موقع مختلف؛ فهي لا تتحرك كتابع للنموذج الأوروبي، بل تقرأ هذه التحولات وتتخذ من المبادرات الدولية مرجعاً تنظيماً موازياً. خيارات العواصم الخليجية اليوم لا تنحصر في الامتثال الأعمى أو العزلة الاستثمارية، بل هي معادلة معقدة من الشراكات المتعددة مع واشنطن، بكين، وبروكسل، مع حرص جلي على عدم الارتهان الجيوسياسي لقطب تكنولوجي واحد.
خلاصة واستشراف:
القمة حدث أوروبي رسمي داخلي، أهدافه واضحة ومحدودة تتركز في تعزيز تنافسية القارة والتنسيق بين حكوماتها ومؤسساتها. وهذا التحديد الدقيق لا يقلل من قيمتها، بل يجعلها مرآة نرى فيها اتجاه السياسات الدولية القادمة، لا ساحة معركة تُخاض نيابة عنا.
إن الفكر الأكاديمي والإعلامي العربي مطالب اليوم بالانتقال من التلقي السلبي، إلى التفكيك الواعي المرتكز على الحقائق؛ فهذا التمييز الرصين بين الطرح الأوروبي الداخلي وأثره العالمي اللاحق هو الخطوة الأولى والضرورية للتحول من خانة المستهلك التابع إلى موقع الشريك الحقيقي في صياغة المشهد الرقمي العالمي الجديد.





