مقالات رأي | لم يعد المشهد الإعلامي كما عرفه العالم لعقود طويلة. فقد تبدلت قواعد اللعبة، وتغيرت موازين القوة، وانتقلت صناعة الخبر من غرف التحرير المغلقة إلى فضاء رقمي مفتوح، تتداخل فيه المنصات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي مع القرار التحريري في تشكيل ما يراه الجمهور وما يغيب عنه.
إقــرأ أيضـاً نعيمة بوسعيد تطرح سؤال المرحلة: من يستهدف من في عصر الإعلان الذكي والذكاء الاصطناعي؟
ولم تعد السلطة الإعلامية تُقاس بمن يمتلك المطبعة أو القناة الفضائية أو حتى حق النشر، وإنما بمن يمتلك القدرة على التحكم في مسار وصول المعلومات، وإعادة ترتيبها، وتوجيهها داخل البيئة الرقمية.
في النموذج التقليدي، كانت المؤسسة الإعلامية تمثل البوابة الوحيدة التي تعبر من خلالها الأخبار إلى الرأي العام، وكان الصحفي والمحرر يؤديان دور الحارس الذي يقرر ما يستحق النشر وما يجب حجبه، استنادًا إلى معايير مهنية وسياسات تحريرية وأولويات إخبارية واضحة.
وقد شكّل هذا النموذج، لعقود طويلة، الأساس الذي قامت عليه نظريات الإعلام الحديثة، باعتباره الضامن لعملية الانتقاء والتنظيم وبناء الأجندة العامة.
غير أن الثورة الرقمية أعادت صياغة هذه المعادلة بصورة جذرية، فلم تعد الأخبار تمر عبر بوابة واحدة، ولم يعد القرار التحريري وحده كافيًا لصناعة التأثير.
بل أصبحت دورة الخبر تبدأ منذ لحظة إنتاجه، لتدخل شبكة معقدة من العمليات الرقمية التي تحدد مسار انتشاره وفرص وصوله إلى الجمهور، وفقًا لحسابات تقنية لا يدركها المستخدم في كثير من الأحيان.
في هذا السياق، برزت الخوارزميات بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في البيئة الإعلامية الجديدة. فهي لا تكتفي بترتيب الأخبار داخل المنصات الرقمية، وإنما تحدد أولويات الظهور، وتقيس احتمالات التفاعل، وتعيد توزيع المحتوى وفق بيانات الاستخدام وسلوك الجمهور والاعتبارات التجارية التي تتحكم في اقتصاد المنصات.
وبذلك أصبحت الخوارزمية تمارس وظيفة تشبه، إلى حد بعيد، وظيفة رئيس التحرير، لكنها تستند إلى معايير رقمية بدلًا من الأحكام المهنية التقليدية.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه نقل السلطة الإعلامية من نموذج مركزي واضح المعالم إلى منظومة شبكية معقدة، تتوزع فيها المسؤولية بين الصحفي، والمؤسسة الإعلامية، والمنصة الرقمية، والخوارزمية، والجمهور.
ولم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح شريكًا في إعادة إنتاج الخبر ونشره وصناعة تأثيره، وهو ما يجعل فهم المشهد الإعلامي المعاصر أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
هذا الواقع لا يعني أن الصحافة فقدت دورها كما يروج البعض، بل يعني أن طبيعة هذا الدور قد تغيرت.
فالصحفي لم يعد وحده من يتحكم في رحلة الخبر منذ إنتاجه وحتى وصوله إلى الجمهور، وإنما أصبح جزءًا من منظومة أوسع تتداخل فيها الخبرة البشرية مع التقنيات الذكية، وسياسات المنصات، وآليات التوصية الرقمية.
ولذلك بات مطلوبًا من الصحفي أن يمتلك، إلى جانب أدواته المهنية التقليدية، فهمًا عميقًا لكيفية عمل البيئة الرقمية وآليات تأثيرها في تشكيل الرأي العام.
كما أن صعود الذكاء الاصطناعي أضاف بعدًا جديدًا لهذا التحول. فلم تعد التطبيقات الذكية مجرد أدوات مساعدة في التحرير أو الترجمة أو تحليل البيانات، بل أصبحت قادرة على إنتاج المحتوى وتصنيفه وتخصيصه والتنبؤ باهتمامات الجمهور.
وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول حدود التدخل الآلي في صناعة الأخبار، وحول المسؤولية الأخلاقية، والشفافية، والانحياز في النظم الخوارزمية التي باتت تتحكم في جزء كبير من المجال العام.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الخوارزميات بحد ذاته، وإنما في طبيعة السلطة التي تمارسها من دون أن تكون خاضعة بالقدر الكافي للمساءلة العامة.
فبينما كانت قرارات المحررين معروفة ويمكن مناقشتها أو نقدها، أصبحت القرارات الرقمية تصدر عن أنظمة معقدة لا يعرف الجمهور كيفية عملها، ولا المعايير التي تعتمدها في تفضيل محتوى على آخر، أو في صناعة حضور قضية وإخفاء أخرى.
ومن هنا، فإن الحديث عن نهاية حراسة البوابة الإعلامية يبدو تبسيطًا لا يعكس حقيقة ما يجري.
فالذي انتهى هو النموذج التقليدي للحارس الفرد، أما الحراسة نفسها فقد أصبحت أكثر اتساعًا وتشابكًا، وأصبحت تمارسها شبكة كاملة من الفاعلين، تتقاطع فيها الخبرة الصحفية مع المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والخوارزميات والمستخدمين في آن واحد.
إن مستقبل الإعلام لن تحدده المنافسة بين الإنسان والآلة، بقدر ما سيحدده النجاح في بناء علاقة متوازنة بينهما، تحافظ على القيم المهنية وتستفيد من الإمكانات التقنية.
وفي عالم تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، لن تكون المعركة الحقيقية حول إنتاج الأخبار، وإنما حول من يمتلك القدرة على تنظيمها، وترتيبها، وصناعة معناها، وتوجيه أثرها في وعي المجتمعات وصناعة الرأي العام.
وهذا هو التحول الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم على الإعلام العالمي، وعلى كل مؤسسة تسعى إلى الحفاظ على دورها وتأثيرها في العصر الرقمي.






