هل يمكن للآلة أن تحن؟

بقلــم: سهــى

في زمنٍ قريب جدا، كان للكلمة رائحة، وللخبر صوت، وللصحيفة ملمس يشبه كف صديق.

كنا نكتب ببطء لنعيش طويلا، ونفتش عن الحقيقة في تجاعيد الوجوه وبحة الأصوات. اليوم، استيقظنا لنجد أنفسنا في غابة من الأصفار والواحدات، حيث صار الذكاء الاصطناعي هوالحكواتي الجديد، يغزل لنا أخبارا بلا أنفاس، ومقالات بلا غصة.

يحدثوننا عن الإعلام الرقمي كفوقية تكنولوجية مذهلة، وعن خوارزميات تحفظ أسماءنا ولا تعرف أرواحنا.
نعم، هي سريعة كالبرق، دقيقة كالساعة، لكنها باردة كالثلج. الآلة قد تخبرك بأسعار الصرف، لكنها لن تشعر بمرارة الأب وهو يعد قروشه القليلة.

قد تنقل لك نتائج مباراة رياضية، لكنها لن تصف لك رعشة المشجع وهو يرى حلمه يتحقق في اللحظة الأخيرة
​ في زمن قريب لقد تغير كل شيء، بالأمس كنا نكتب لنبني وعيا، واليوم يطلب منا أن نكتب لنطارد تريند عابرا
ضاعت المعالجة الإنسانية في زحام البيانات.

الاحترافية الحقيقية اليوم ليست في مجاراة الآلة في سرعتها، بل في التفوق عليها بـ دهشتنا. أن نكتب ذاك النص الذي ينساب كالماء، لكنه يترك أثرا كالحفر في الصخر.

إننا في المشرق الجديد، لا نبحث عن محركات بحث باردة، بل عن محركات قلوب دافئة

التكنولوجيا قد تمنحنا النص، لكنها أبدا لن تمنحنا المعنى. ستبقى الكلمة أمانة، وستبقى الصحافة هي تلك المرآة التي تعكس وجع الناس وأحلامهم، لا مجرد أكواد صماء.

​فهل سنرضى بأن نكون صدى لآلة؟ أم سنظل نحن الحالمين الذين يطوعون الحرف ليشفي جراح الحقيقة؟
إن الرهان اليوم ليس على من يكتب أسرع، بل على من يكتب أصدق.

فالحبر الذي لا يرتجف صدقا، لا يستحق أن يقرأ

اقـرأ أيضا الذكاء الاصطناعي يدخل ميدان الحروب: صراع إيران يُعيد تعريف العمليات العسكرية