في ظل تسارع توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المنظومات العسكرية والأمنية، لم يعد النقاش محصورًا في حدود التطور التقني، بل اتسع ليشمل أبعادًا جيوسياسية وأخلاقية تعيد تعريف مفهوم القوة في النظام الدولي.
اقـرأ أيضــاً الذكاء الاصطناعي يدخل ميدان الحروب: صراع إيران يُعيد تعريف العمليات العسكرية
يقدّم الباحث التركي براق ألمالي، في تحليل صادر عن مركز أبحاث TRT World، قراءة معمّقة في بيان حديث لشركة Palantir Technologies الأمريكية، يتألف من 22 بندًا، نُشر في 18 أبريل، ويتناول ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي والعمليات العسكرية.
صعود القوة التكنولوجية
يشير البيان إلى تحوّل نوعي في طبيعة الصراع، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة داعمة، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في تشكيل مفاهيم السيادة والتفوق. ويذهب إلى أن شركات التكنولوجيا باتت لاعبًا رئيسيًا في معادلات الحرب، مع تزايد اعتماد الحكومات على قدراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والدفاع الرقمي.
وتعكس هذه الرؤية توجهًا متصاعدًا داخل وادي السيليكون لإعادة تعريف دوره، باعتبار أن التفوق التكنولوجي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية ترتبط بالأمن القومي.
دور محوري في الأمن القومي
تتمتع Palantir بموقع متقدم داخل المنظومة الأمنية الأمريكية، حيث تُستخدم تقنياتها في مؤسسات مثل وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع. وقد توسعت الشركة خلال السنوات الأخيرة من تحليل البيانات إلى تطوير تطبيقات عسكرية متقدمة، تشمل دعم عمليات الاستهداف والقيادة الميدانية.
كما برزت مشاريع مثل برنامج “Maven”، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الطائرات المسيّرة، في ترسيخ العلاقة بين شركات التكنولوجيا والقطاع العسكري، رغم الجدل الأخلاقي الذي أثاره داخل شركات كبرى مثل Google.
شراكات حساسة وتطبيقات ميدانية
يتقاطع هذا التوسع مع تعزيز علاقات الشركة دوليًا، بما في ذلك شراكاتها مع إسرائيل، في سياق تطوير أنظمة تعتمد على أتمتة تحليل البيانات والاستهداف. ويعكس ذلك نمطًا متناميًا لما يُعرف بـ”الحرب الخوارزمية”، حيث تُدار العمليات العسكرية عبر خوارزميات قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات واتخاذ قرارات شبه فورية.
تحول جذري في طبيعة الحرب
لم تعد الحروب الحديثة مجرد مواجهات ميدانية، بل أصبحت قائمة على دمج البيانات من مصادر متعددة، تشمل الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار وشبكات الاتصالات، لتشكيل صورة عملياتية موحدة. هذا التحول يمنح الجيوش قدرات غير مسبوقة في التنبؤ واتخاذ القرار الاستباقي.
ويتزامن ذلك مع برامج أمريكية مثل “Replicator”، ومساعٍ داخل حلف الناتو لتعزيز أنظمة القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب استثمارات صينية مكثفة في مجالات الحرب الإدراكية وأنظمة اتخاذ القرار الذكية.
الذكاء الاصطناعي كمحدد لموازين القوى
يُظهر تحليل البيان أن الذكاء الاصطناعي مرشح لأن يكون العامل الحاسم في تحديد موازين القوى العالمية، على غرار الدور الذي لعبته الأسلحة النووية خلال الحرب الباردة. ويعزز هذا الاتجاه ارتفاع الاستثمارات في البنية التحتية للتقنيات الدفاعية، مع تحول الحكومات إلى أكبر عملاء هذا القطاع.
تحديات وإشكاليات مستقبلية
رغم الفرص التي يتيحها هذا التحول، يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات معقدة، أبرزها تآكل الحدود بين الاستخدامات المدنية والعسكرية، وصعوبة إخضاع الأنظمة الذكية لآليات رقابة فعالة.
كما يبرز تساؤل جوهري حول كيفية إدارة أنظمة تتجه نحو قدر متزايد من الاستقلالية، في ظل مخاوف من أن يحل منطق السرعة والكفاءة محل المساءلة السياسية، ما قد يؤدي إلى تصاعد أنماط جديدة من العنف يصعب تتبعها أو التحكم فيها.





