دكتورة دنيـا تامري: الإعلام الذكي في العالم العربي… آفاق التحول الرقمي في عصر المنصات وأثره في إعادة تشكيل الوعي المعرفي

يشهد العالم العربي طورًا مفصليًا في تاريخ الإعلام، لا لأن الوسائط تغيرت فحسب، بل لأن بنية التأثير ذاتها أعادت تشكيل أدواتها ومنطقها ومجالات نفوذها. ففي عصر المنصات، لم يعد التنافس بين المؤسسات الإعلامية يدور فقط حول الخبر الأسرع أو الصياغة الأجمل، بل حول من يملك القدرة على جذب الانتباه، وتثبيت الحضور، وتحويل المحتوى إلى أثر معرفي مستدام في بيئة رقمية سريعة الإيقاع وشديدة التشبع.

اقـرأ أيضـاً عمر رحومة: مؤتمر المشرق للإعلام 2026 يقود حواراً دولياً حول تحديات الإعلام ومستقبل التحول الرقمي


من هنا تبرز إشكالية الإعلام الذكي في العالم العربي: كيف يمكن استثمار التحول الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي في بناء محتوى عربي رصين، مؤثر، وقادر على إعادة توجيه الذائقة العامة نحو المعرفة، بدل ترك المجال لهيمنة المحتوى منخفض القيمة المعرفية؟ هذا السؤال يكتسب ثقله من واقع رقمي تتزايد فيه فرص الوصول والانتشار، لكن تتزايد معه أيضًا مخاطر التشويش، وفقدان الثقة، وسيادة المواد التي تحصد التفاعل السريع دون أن تنتج أثرًا ثقافيًا أو معرفيًا عميقًا.


تكشف المعطيات الدولية أن الرقمنة ليست حدثًا عابرًا، بل إعادة ترتيب شاملة لأولويات الإنسان المعاصر. فالمستخدمون يقضون في المتوسط 6 ساعات و38 دقيقة يوميًا على الإنترنت، كما أن 62.8% من البالغين يقولون إن “العثور على المعلومات” من أهم دوافعهم لاستخدام الإنترنت، ما يدل على أن الفضاء الرقمي صار وعاءً رئيسيًا للمعرفة والبحث والتوجيه، لا مجرد فضاء للترفيه. لكن هذا الاتساع لا يعني بالضرورة جودة المخرجات؛ فالتقرير الرقمي لمعهد رويترز لعام 2024 يشير إلى أن 59% من المشاركين أعربوا عن قلقهم بشأن التمييز بين الحقيقي والزائف في الأخبار على الإنترنت، وهو مؤشر صريح إلى أزمة ثقة ومعيارية داخل البيئة الرقمية.

وتزداد الإشكالية تعقيدًا مع التحول من الإعلام التقليدي إلى إعلام تحكمه الخوارزميات وتدعمه تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فالتقرير العالمي الرقمي لعام 2025 يبين أن تطبيق ChatGPT وحده استقطب في المتوسط أكثر من ربع مليار مستخدم نشط شهريًا عبر الهاتف بين سبتمبر ونوفمبر 2024، كما سجل الموقع بين 310 ملايين و560 مليون زائر فريد شهريًا وفق تقديرات منصات القياس المختلفة، بما يعكس السرعة الكبيرة التي دخلت بها أدوات الذكاء الاصطناعي إلى صلب الممارسة الرقمية اليومية. وفي السياق العربي، تظهر البيانات كثافة مذهلة في الاستخدام الرقمي؛ فعدد مستخدمي الإنترنت عالميًا بلغ 5.56 مليار في مطلع 2025، أي 67.9% من سكان العالم، فيما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل 5.24 مليار، أي 63.9% من السكان. وفي السعودية، بوصفها مثالًا عربيًا دالًا على كثافة هذا الحضور، بلغ انتشار الإنترنت 99.0%، وبلغت هويات مستخدمي وسائل التواصل 34.1 مليونًا بما يعادل 99.6% من السكان في يناير 2025.

بدل مصطلح “التفاهة”، وهو مصطلح انفعالي وشائع أكثر من اللازم، يمكن استعمال تعبيرات أكثر رصانة ودقة مثل: السطحية الرقمية، أو “المحتوى منخفض القيمة المعرفية”، أو “اقتصاد الإثارة السريعة”، أو “المحتوى عالي الجاذبية منخفض الأثر المعرفي”. وهذه البدائل أنسب في المقالات الأكاديمية والإعلامية؛ لأنها تشخّص الظاهرة من حيث أثرها في الانتباه والوعي، لا من حيث الإدانة الأخلاقية المباشرة.


المعالجة الرشيدة لا تبدأ بإدانة المنصات، بل بفهم منطقها واستثمارها. فالمشهد الحالي، على الرغم مما فيه من اختلالات، يمكن النظر إليه بوصفه مرحلة ذهبية للمحتوى العربي الجاد؛ لأن شدة التزاحم لا تلغي قيمة المحتوى الرصين، بل قد تمنحه تميزًا أكبر كلما أحسن صانعوه بناءه وتقديمه وتوزيعه. كما أن البيانات تشير إلى أن الناس لا يزالون يذهبون إلى الفضاء الرقمي أساسًا طلبًا للمعلومة، وهو ما يفتح نافذة حقيقية أمام المحتوى العميق إذا صيغ بلغة مناسبة وأنتج وفق فهم دقيق لسلوك الجمهور.


ومن هذه الزاوية، لا يكون التحدي هو “الهروب” من المنصات، بل الانتقال من الاستهلاك المنفعل إلى الإنتاج المعرفي الذكي. ويمكن تلخيص ذلك في أربعة مسارات: تطوير محتوى عربي عالي القيمة المعرفية، يجمع بين العمق والوضوح وقابلية التداول؛ توظيف الذكاء الاصطناعي في التحرير والتحليل والرصد والتخصيص، دون التخلي عن المعايير المهنية والتحقق البشري؛ تعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية والمهارات النقدية، وقد دعت اليونسكو في العالم العربي إلى تعميق الوعي بهذا المجال ودمجه في المناهج والشراكات التعليمية؛ بناء شراكات بين الجامعات والمؤسسات البحثية والمنصات والفاعلين الإعلاميين لتأطير هذا التحول علميًا ومهنيًا.


المسألة لم تعد مرتبطة فقط بفرصة إعلامية، بل بموقع العالم العربي في خريطة التقدم الثقافي والمهاري خلال السنوات القادمة. فبحسب تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع أصحاب العمل أن تتغير 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول 2030، كما تخطط 80% من الجهات إلى رفع مهارات العاملين عبر تدريب مرتبط بالذكاء الاصطناعي، بينما يرى 63% من أصحاب العمل أن فجوة المهارات هي العائق الأكبر أمام التحول. وهذا يعني أن التردد في استيعاب الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لن يؤدي فقط إلى تأخر تقني، بل قد يفضي إلى تراجع في القدرة على التأثير الثقافي والإعلامي والمعرفي. فالمنتج الراقي العميق، إذا أُحسن استثمار هذه الفترة، سيثبت مكانته وسيؤثر تأثيرًا إيجابيًا في ديناميكية الشعوب العربية، وفي إنتاجيتها، وفي رفع منسوبها الثقافي، إذا ما أحسنت استخدام هذه الأدوات والمنصات.


فالأجدر إذن ألا تُقرأ هذه المرحلة بوصفها رثاءً للمشهد، بل بوصفها وعيًا بالفرصة؛ فهي ليست زمن انحدار محتوم، بل زمن مفاضلة حاسمة: إما إعادة توجيه التحول الرقمي نحو إنتاج معرفة عربية أكثر جودة وتأثيرًا، وإما ترك الساحة لمنطق الاستهلاك السريع الذي يبدد الانتباه ولا يبني وعيًا. ومن هنا تبرز أهمية المؤتمرات العلمية والقمم الدولية والجامعات ومراكز البحث؛ لأنها لا تمنح الشرعية العلمية لهذا النقاش فحسب، بل تساهم في نقل الإعلام الذكي من كونه ظاهرة تقنية عابرة إلى كونه مشروعًا معرفيًا واستراتيجيًا عربيًا.


مؤتمر المشرق للاعلام – اسطنبول 2026

Related Posts

عمر رحومة يكتب: مستقبل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي.. رؤية استراتيجية للتحولات الرقمية في القنوات الفضائية والمنصات الإعلامية والشركات التقنية العالمية

كيف تعيد الثورة الذكية رسم مستقبل صناعة الإعلام العالمية؟ يشهد العالم تحولًا تاريخيًا غير مسبوق في صناعة الإعلام والاتصال، مدفوعًا بالتطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وتحليل البيانات الضخمة،…

نعيمة بوسعيد تطرح سؤال المرحلة: من يستهدف من في عصر الإعلان الذكي والذكاء الاصطناعي؟

لم أكن أبحث عن شيء محدد عندما فتحت هاتفي في ذلك الصباح. وبينما كنت أتصفح بعض الصفحات كعادتي، استوقفني إعلان لمنتج يشبه إلى حد كبير فكرة كانت تشغل تفكيري منذ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ما فاتـك

عمر رحومة يكتب: مستقبل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي.. رؤية استراتيجية للتحولات الرقمية في القنوات الفضائية والمنصات الإعلامية والشركات التقنية العالمية

عمر رحومة يكتب: مستقبل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي.. رؤية استراتيجية للتحولات الرقمية في القنوات الفضائية والمنصات الإعلامية والشركات التقنية العالمية

نعيمة بوسعيد تطرح سؤال المرحلة: من يستهدف من في عصر الإعلان الذكي والذكاء الاصطناعي؟

نعيمة بوسعيد تطرح سؤال المرحلة: من يستهدف من في عصر الإعلان الذكي والذكاء الاصطناعي؟

ليلى الناجـم تكتب.. الذكاء الاصطناعي والإعلام: بين حرية الابتكار والمسؤولية القانونية ومتطلبات الوعي الرقمي

ليلى الناجـم تكتب.. الذكاء الاصطناعي والإعلام: بين حرية الابتكار والمسؤولية القانونية ومتطلبات الوعي الرقمي

ضمن هيكله التنفيذي الأعلى.. مؤتمر المشرق للإعلام يعتمد أبوبكر إبراهيم أوغلو مديراً للعلاقات العامة والشراكات الدولية

ضمن هيكله التنفيذي الأعلى.. مؤتمر المشرق للإعلام يعتمد أبوبكر إبراهيم أوغلو مديراً للعلاقات العامة والشراكات الدولية

من هندسة السرديات إلى مستقبل الإعلام الذكي.. البروفيسور طارق الأوجلي يثري مؤتمر المشرق للإعلام – إسطنبول 2026 برؤية أكاديمية متقدمة

من هندسة السرديات إلى مستقبل الإعلام الذكي.. البروفيسور طارق الأوجلي يثري مؤتمر المشرق للإعلام – إسطنبول 2026 برؤية أكاديمية متقدمة

دكتورة دنيـا تامري: الإعلام الذكي في العالم العربي… آفاق التحول الرقمي في عصر المنصات وأثره في إعادة تشكيل الوعي المعرفي

دكتورة دنيـا تامري: الإعلام الذكي في العالم العربي… آفاق التحول الرقمي في عصر المنصات وأثره في إعادة تشكيل الوعي المعرفي